الاثنين، 7 يونيو 2010

الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان : الدكتور عبد الوهاب المسيري

-->
الكتاب: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان
المؤلف : الدكتور عبد الوهاب المسيري
الناشر: دار الفكر – دمشق – سورية
مؤلف هذا الكتاب هو المفكر العربي المشهور الدكتور عبد الوهاب المسيري صاحب موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية أحد أهم الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين الذي استطاع من خلالها أعطاء نظرة جديدة (موسوعية) موضوعية علمية للظاهرة اليهودية بشكل خاص وتجربة الحداثة الغربية بشكل عام مستخدماً ما طوره أثناء حياته الأكاديمية من (تطوير) مفهوم النماذج التفسيرية فهي نموذج ( تفسيري ) جديد، وقد صدرت هذه الموسوعة عن دار الشروق بالقاهرة في ثمانية مجلدات، وقد صدر اختصار لهذه الموسوعة في مجلدين من الدار نفسها .
وقد صدر للمؤلف _ وفقه الله _ أكثر من خمسة وخمسين كتابا باللغتين العربية والانجليزية بالإضافة إلى عشرات المقالات والمحاضرات ، بل وكُتِبَتْ عنه شخصيا دراسات وبحوث ومقالات منوعة ؛ وأكثر بحوثه دراسات نقدية عن الصهيونية واليهودية وإسرائيل والعلمانية والحداثة وما بعد الحداثة والحضارة الغربية ،بالإضافة إلى مجموعة قصص للأطفال.
***********************
والكتاب الذي بين أيدينا دراسة عن فلسفة الحضارة الغربية ورؤيتها للكون والإنسان وهو نقد علمي بعيد تماماً عن العاطفة.
وقد ذكر المؤلف أن الفلسفة المادية تشكل المرجعية الفكرية والنموذج المعرفي للعديد من الفلسفات الحديثة ؛ كالماركسية والبراغماتية والداروينية ، كما تشكل الإطار المرجعي لرؤيتنا للتاريخ والتقدم والعلاقات الدولية ، بل وأحياناً لأنفسنا.
وقد هيمنت هذه الفلسفة على النخب الثقافية والفكرية لزمن ليس بقصير.
ويقدم هذا الكتاب نظرية نقدية لهذه الفلسفة، فيحلل نموذجها المعرفي المادي، ويدرس تجلياته النظرية والتاريخية المختلفة.
فيقدم توضيحاً لماهية الفلسفة المادية وسر جاذبيتها ، ثم يبين مواطن قصورها في تفسير ظاهرة الإنسان.
ما العقل ؟ وماسمات العقل المادي؛ وما الفرق بينه وبين العقل الأداتي والعقل النقدي؟
إنها دراسة أجتهد الدكتور المسيري العالم بالفكر الغربي وتياراته وفلسفاته أن يقدم فيها للقارئ العربي وجهة نظر نقدية جديدة .
ويذهب المسيري إلى أن الفلسفة المادية تشكل هجوماً على الطبيعة البشرية، ثم يبين بعض التجليات التاريخية لتلك الفلسفة فيبين أن العلمانية والامبريالية والداروينية كلها تجليات للفلسفة المادية .
ويتناول الترشيد أو العلمنة بمعنى إعادة صياغة المجتمع والإنسان في الإطار المادي وكيف أن هذا يؤدي في نهاية الأمر إلى تنميط الحياة ووهم التحكم الكامل فيها .
وفي الخطاب ما بعد الحداثي تستخدم كلمة أبو ريا aporia للإشارة إلى نقطة الصفر العلمانية، وهي كلمة يونانية تعني الهوة التي ليس لها قرار، حيث يصبح العالم هوة من الثقوب السوداء تبتلع كل شيء فتسقط المطلقات العلمانية وغير العلمانية كافة، وتسقط المطلقات الدينية والمادية على حد سواء، حتى نصل إلى عالم سائل لا نسق فيه ولا مرجعيات ولا تجاوز.
ولمزيد من المقدرة التحليلية لفهم نقطة الصفر العلمانية يشير المؤلف إلى ثلاث لحظات:
أ-اللحظة السنغافورية ويظهر فيها الإنسان الاقتصادي .
ب- اللحظة النازية (والصهيونية ) ويظهر فيها الإنسان الطبيعي / المادي أو الإنسان كمادة محضة .
ج- اللحظة التايلاندية ويظهر فيها الإنسان الجسماني ؛ وتصبح البغي من أدوات الإنتاج وهي في الماخور لا تختلف كثيرا عن أبطال الإنتاج في المصانع الغربية، وتقوم إحدى المؤسسات الخيرية في استراليا بترتيب دورات تدريبية للبغايا حتى يمكنهن تحسين أدائهن في ساعات العمل الشاقة والمضنية.
وإذا كانت الدعوة إلى تحويل كل البلاد إلى تايلاند مسألة صعبة ، إذ يفزع الناس من نزع القداسة تماماً عنهم ، إلا أن الحديث عن السياحة وتطوير القطاع السياحي يخبئ عادة نزعة تايلاندية عميقة يتحاشى الجميع مواجهتها.
ويرى المؤلف أن انتشار الإباحية في العالم الغربي ليست مشكلة أخلاقية وإنما هي أيضاً قضية معرفية ، فالإباحية جزء من الهجوم على الطبيعة البشرية وعلى قداسة الإنسان ومحاولة تفكيكه واللحظات النماذجية الثلاث ( السنغافورية والنازية والتايلاندية) ليست منفصلة تماماً فهي جميعاً لا تعترف إلا بالطبيعة / المادة ، وتحول الإنسان إلى مادة نافعة وتنزع عنه القداسة وتعريه عن إنسانيتة وهو ما نسميه بالإباحية المعرفية حيث لاحرمات ولا مطلقات ، وحيث يترك الإنسان عارياً تماماً أمام مؤسسة قوية تدور في إطار المرجعية المادية الكامنة والنفعية الداروينية التي تقوم بحوسلته وتوظيفه .
وهكذا أصبحت دورة الإنسان ثلاثية: الإنتاج في المصنع - الاستهلاك في السوق- اللذة في الملهي الليلي أو أي معادل موضوعي له.
ويتحدث الكاتب في فصل الترشيد والقفص الحديدي ؛ فيعرف الترشيد بأنه عملية علمنة تعني إعادة صياغة المجتمع والإنسان. على هدى القوانين العلمية المادية الصارمة الكامنة في المادة والمتجاوزة للإنسان.
ويبين أن الترشيد المادي لا يكتفي بسلب الأشياء من عالم الإنسان ووضعها في عالم الأشياء المادية بل يتم سحب الإنسان ذاته من عالم الإنسان ووضعه هو في عالم الأشياء.
وعملية التنميط شرط أساس لانتشار علاقات السوق والعلاقات التعاقدية بدلاً من التراحمية ،ويرى أعضاء مدرسة فرانكفورت أن تصاعد معدلات الترشيد في المجتمع أدى إلى اختفاء الفرد والقيم الثقافية والروحية والعقل النقدي القادر على التجاوز حتى أصبح الإنسان كائناً ذا بعد واحد يرتبط وجوده بالاستهلاك والسلع، فهو إنسان متسلع متشيء ، عقله أداتي، ينشغل بالوصف والرصد وإدراك الآليات، عاجز تماماً عن إدراك الأغراض النهائية.
وحينما سأل فاكيلاف هافل عن الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع أجاب قائلاً : هذا الوضع له علاقة ما بأننا نعيش في أول حضارة ملحدة بالتاريخ.
لكن يلاحظ دائماً أن الإيديولوجيات المادية العلمانية تدخل محسنات روحية معرفية لأنها لا تستطيع أن تواجه وحشية ماديتها.
والتحديث في رأي المسيري هو التغريب بل إن ثمة ترادفاً بين الغربي والعلماني والامبريالي؛ بل إن إعلان حقوق الإنسان إعلان علماني تماماً يستند إلى فكرة القانون الطبيعي.
وما بعد الحداثة إعلان لنهاية التاريخ ونهاية الإنسان ؛ ذلك أن ما بعد الحداثة هي الرؤية الفلسفية التي أحرزت مؤخراً شيوعاً لا نظير له في العالم الغربي ؛ وما بعد الحداثة ترى أن التاريخ لا هدف له ولا غاية وهي تنطلق من عدة أطروحات فلسفية متداخلة ومصطلحات صاخبة رنانة كلها تؤكد غياب المرجعيات ... وهذا في الواقع الأمر اختفاء العقل، ويظهر ما سمي بذاكرة الكلمات المتقاطعة أي معلومات متناثرة لا يربطها رابط.
والأوربيون يعيشون في العقل الباطن - وأحيانا في العقل الظاهر – نظرية الداروينية الاجتماعية؛ وتعني أن الغربيين هم جنس مقدس وأن ماعداهم أعراق دونية؛ حيث يمكن تصنيف البشر وفق هذه النظرية إلى أعراق راقية عليا وهم الآريون وبخاصة النور ديين ، وأعراق دنيا وهم الزنوج والعرب واليهود ؛ بل إن كلمة آري في اللغة السنسكريتية معناها سيد.
والفصل الأخير من الكتاب يبين كيف أن الرؤية المادية هي رؤية إبادية في جوهرها ومن صور ذلك ظاهرة الإبادة النازية لليهود وغيرهم من الأقليات ، وإبادة الأوربيين للهنود الحمر في أمريكا حتى إنه تم إبادة ستة ملايين مواطن أصلي هناك خلال سنوات معدودة ، أما من تم إبادته من القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين فإنه قد يصل إلى عشرات الملايين، ويتكرر النمط نفسه - إبادة السكان الأصليين- في استراليا والبرازيل.
وفي الفترة الاستعمارية الأوروبية الحديثة تم إبادة آلاف الأفارقة والعرب والفيتناميين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وقد قضى مئات الألوف من الجنود الألمان نحبهم في معسكرات الاعتقال الأمريكية والفرنسية في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكذلك لقي مئات الألوف من المدنيين اليابانيين حتفهم بسبب الضربات الجوية الأمريكية لليابان في تلك الفترة.
كما قتل في الحربين العالميتين الأولى الثانية اللتين وقعتا في أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين أكثر من ستين مليون من مدنيين وعسكريين.
وقد قتل الزعيم الشيوعي ستالين أربعين مليونا من شعوب الدول التي أحتلها السوفييت والقياصرة.
ولا زال التاريخ المعاصر يشهد إبادة شعوب البوسنة والهرسك وكوسوفا وأفغانستان وفلسطين والعراق ، بينما تراقب بعض الدول الغربية هذا بحياد غير عادي!.
وترى بعض النظريات العلمانية المتطرفة إبادة كل العناصر غير النافعة للمجتمع مادياً مثل كبار السن والمعوقين وجرحى الحروب والمرضى النفسيين والمجانين والمعتوهين والمصابين بأمراض خطيرة،وقد تم تنفيذ بعض ذلك فعلاً.
والسؤال الذي يطرح نفسه في نهاية هذا العرض هل يريد بعض مثقفينا الليبراليين أن نصل إلى هذه المرحلة التي وصل لها القوم من فكر التخبط والضياع والانتحار ( ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور).
وهذا البحث يؤكد أن الناظر إلى هذه المذاهب بعين الأنصاف والبحث عن الحق لا بعين الانبهار والانهزام يراها ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا) .
ولعل من نافلة القول أن هذا النقد للفكر والحضارة الغربية لا يعني أبداً تناسي محاسن هذه الحضارة وانجازاتها الكثيرة والكبيرة، لكنه يعني فقط نقد الفكر الغربي المادي العلماني العبثي.
ويتميز الكتاب بندرة الأخطاء العلمية واللغوية، وإن كان ينقصه جمال الأسلوب وجودة السبك وإشراق العبارة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق